الاثنين، نوفمبر 21، 2011

(( الرحمن الرحيم ))

مرسلة بواسطة علو الهمه في 10:35 م






( الرحمن الرحيم ) 

ما أعظم هذين الاسمين اللذين نرى آثارهما في كل ما حولنا،
و بينهما فرق لطيف ذكره ابن القيم في بدائع الفوائد (1/14) حين جعل الرحمن دالا على صفة ذاتية،
والرحيم دالا على صفة فعلية ،
فـ (( الرحمن )) دالٌ على الصفةِ القائمة به سبحانه،
و(( الرحيم )) دال على تعلقها بالمرحوم،
وإذا أردت فهم هذا فتأمل قول الله تبارك وتعالى :
" إِنَّهُ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً " ولم يجيء قط "رحمن بهم".

๑۞๑ الحياهـ مع الله ๑۞๑‏


هل تأملت في رحمة الله حولك، كم هي آثار رحمته عظيمة، إلا إن رحمته في الآخرة أوسع من رحمته في الدنيا بكثير، أخرج مسلم (2725)
"إن لله مئة رحمة، أنزل منها رحمة واحدة بين الجن والإنس والبهائم والهوام، فبها يتعاطفون وبها يتراحمون وبها تعطف الوحش على ولدها، وأخّر الله تسعا وتسعين رحمة يرحم بها عباده يوم القيامة " فالمحروم الحقيقي من حرم التسعة والتسعون جزء، وما أعظم جرمه الذي حرمه رحمة الله في الآخرة.

๑۞๑ الحياهـ مع الله ๑۞๑‏


"إن رحمتي سبقت غضبي " حديث قدسي أخرجه البخاري (5654) 
قال الطيبي: في سبق الرحمة إشارة إلى أن قسط الخلق منها أكثر من قسطهم من الغضب، وأنها تنالهم من غير استحقاق، وأن الغضب لا ينالهم إلا باستحقاق، فالرحمة تشمل الشخص جنينا ورضيعا و فطيما وناشئا قبل أن يصدر منه شيء من الطاعة، ولا يلحقه من الغضب إلا بعد أن يصدر عنه من الذنوب ما يستحق معه ذلك.الفتح ( 6/292).


๑۞๑ الحياهـ مع الله ๑۞๑‏


الرحمن الرحيم سبحانه، أرحم بعباده من الأم بولدها، فتعرض لرحمته التي وسعت كل شيء، وفي البخاري قدم على النبي صلى الله عليه وسلم سبي فإذا امرأة من السبي تحلب ثديها تسقي، إذا وجدت صبيا في السبي أخذته فألصقته ببطنها وأرضعته، فقال رسول الله عليه الصلاة والسلام: "أترون هذه طارحة ولدها في النار؟" قلنا: لا، قال: "لله أرحم بعباده من هذه بولدها"وفي رواية الحاكم: "ولا الله بطارح حبيبه في النار" جعلك الله من أحبابه.



๑۞๑ الحياهـ مع الله ๑۞๑‏


تأمل عظم رحمة الله التي أخبر بها جبريلُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم: " قال لي جبريل لو رأيتني وأنا آخذ من حال البحر فأدسه في فيّ فرعون مخافة أن تدركه الرحمة"صحيح الجامع، وقال: "لو يعلم المؤمن ما عند الله من العقوبة ما طمع في جنته أحد، ولو علم الكافر ما عند الله من الرحمة ما قنط من رحمته أحد" متفق عليه.



๑۞๑ الحياهـ مع الله ๑۞๑‏



تأمل آثار رحمة الله، محمد رحمة (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين) ومن أسمائه(نبي الرحمة)، والقرآن رحمة (وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين) والعلم رحمة (آتيناه رحمة من عندنا) والمطر رحمة (وهو الذي ينزل الغيث من بعد ما قنطوا وينشر رحمته) وعطفك على ولدك رحمة، وبرك لوالديك رحمة، والجنة رحمة، وفي الحديث القدسي (أنت رحمتي أرحم بك من أشاء من عبادي). فتأمل في آثار رحمة الله من حولك، سبحانه ما أرحمه.



๑۞๑ الحياهـ مع الله ๑۞๑


أوسع المخلوقات عرش الرحمن، وأوسع الصفات رحمته، فاستوى على عرشه الذي وسع المخلوقات بصفة رحمته التي وسعت كل شيء، تأمل (الرحمن على العرش استوى).



๑۞๑ الحياهـ مع الله ๑۞๑‏



لا يليق بمن يؤمن بالرحمن الرحيم أن يقنط من رحمته، مهما تعاظم ذنبه وكبرت معصيته، فما بينه وبين رحمة ربه التي وسعت كل شيء أحد، تأمل (قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله)

وفي الحديث الصحيح: " ثلاثة لا يسأل عنهم: رجل نازع الله رداءه فإن رداءه الكبر، وإزاره العز، ورجل في شك من أمر الله، والقنوط من رحمته" صحيح الترغيب.

๑۞๑ الحياهـ مع الله ๑۞๑‏


لا يرحم الله من لا يرحم الناس، وأعظم أنواع الرحمة رحمة العصاة الواقعين في أسر الشيطان، فإذا رأيت أحدهم فادع له بالهداية، فلعل هذه الدعوات توافق بابا مفتوحا في السماء فيستجيب الله الدعاء ويصلح حال ذلك العبد،

وقد مر أبو الدرداء -رضي الله عنه- على رجل قد أصاب ذنبا، فكانوا يسبونه، فقال: أرأيتم لو وجدتموه في قليب ألم تكونوا مستخرجيه ؟
قالوا: بلى، قال: فلا تسبوا أخاكم واحمدوا الله الذي عافاكم، قالوا: أفلا تبغضه؟ قال: إنما أبغض عمله فإذا تركه فهو أخي، فأخذ الرجل يبكي وأعلن توبته.


๑۞๑ الحياهـ مع الله ๑۞๑‏


أهل رحمة الله أهل الجماعة وإن تفرقت ديارهم وأبدانهم، وأهل معصيته أهل فرقة وإن اجتمعت ديارهم وأبدانهم،

تأمل: (ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك) وفي الحديث الحسن (الجماعة رحمة والفرقة عذاب) الصحيحة ، وفي الترمذي (يد الله مع الجماعة).


๑۞๑ الحياهـ مع الله ๑۞๑‏


من أراد رحمة الله فليأت بأسبابها، وطرق تحصيلها، ومنها:

-التقوى (واتقوا الله لعلكم ترحمون).
-الإحسان والدعاء (وادعوه خوفا وطمعا إن رحمت الله قريب من المحسنين).
-الاستماع للقرآن (وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون).
ـطاعة الله ورسوله عليه الصلاة والسلام (وأطيعوا الله والرسول لعلكم ترحمون).


๑۞๑ الحياهـ مع الله ๑۞๑‏



الأماكن التي تغشاها رحمة الله، وتحفها ملائكته، وينزل على أصحابها سكينته، مجالس الذكر، فمن أراد رحمة الله لن تخطئه في مجلس ذكر، وفي صحيح مسلم(2699): "وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة،وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده، ومن بطأ به عمله لم يسرع به نسبه".




๑۞๑ الحياهـ مع الله ๑۞๑‏


ما أجمل أن يقودك التأمل في اسم (الرحمن الرحيم) إلى رحمة مريض أقعده المرض ومن ثم زيارته، لأن من عاد مريضا غمرته الرحمة، وفي الحديث الصحيح: "إذا عاد الرجل أخاه المسلم مشى في خرافة الجنة (أي: ثمرها) حتى يجلس، فإذا جلس غمرته الرحمة، فإن كان غدوة صلى عليه سبعون ألف ملك حتى يمسي، وإن كان مساء صلى عليه سبعون ألف ملك حتى يصبح" الصحيحة(1367).



๑۞๑ الحياهـ مع الله ๑۞๑‏


الرحمة كمال في الطبيعة يجعل المرء يرق لآلام الخلق ويسعى لإزالتها، ويأسى لأخطائهم فيتمنى لهم الهدى، وبقدر ما يرحم العبد خلق الله يرحمه الرحمن الرحيم، وفي الحديث الحسن: " الراحمون يرحمهم الرحمن ، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء".صحيح الترغيب.



๑۞๑ الحياهـ مع الله ๑۞๑‏


رحمة الله تدرك العبد ليس برحمته للآدميين فحسب، بل إن رحمته للبهائم سبب من أسباب رحمة الله له، وفي الحديث الصحيح: "قال رجل: يا رسول الله إني لأذبح الشاة فأرحمها، قال: والشاة إن رحمتها رحمك الله، قالها مرتين" وفي الحديث الآخر: "من رحم و لو ذبيحة عصفور رحمه الله يوم القيامة" الصحيحة(26 ، 27).




๑۞๑ الحياهـ مع الله ๑۞๑‏



مما تنال به رحمة الله:

-الصبر على البلاء: "وبشر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة"
-الكلام بخير، والسكوت ، وفي الحديث الصحيح:"رحم الله عبدا تكلم فغنم، أو سكت فسلم"صحيح الترغيب(5805).
-الصلاة قبل العصر أربعا ، وفي الحديث الحسن: "رحم الله امرأ صلى قبل العصر أربعا". صحيح أبي داود(1154).

๑۞๑ الحياهـ مع الله ๑۞๑‏



لا يزال العبد يلتمس رضا ربه في مأكله ومشربه وحركته وجميع أمره، حتى يكرمه الله بمحبته، وتغشاه رحمته، وفي الحديث الصحيح: "إن العبد ليلتمسُ مرضاةَ اللَّه ، ولا يزالُ بذلك، فيقول اللَّهُ عزَّ وجلَّ لجبريل: إن فلانًا عبدي يلتمس أن يرضيني، ألا وإن رحمتي عليه، فيقول جبريل: رحمة اللَّه على فلان، ويقولها حملة العرش، ويقولها من حولهم حتى يقولها أهل السماواتِ السبعِ، ثم تَهبِطُ له إلى الأرض" مسند احمد(5/297) فالتمس رضا الله في جميع أمرك.



๑۞๑ الحياهـ مع الله ๑۞๑‏


(فمن أعطى اسم الرحمن حقه عرف أنه متضمن لإرسال الرسل وإنزال الكتب ،أعظم من تضمنه إنزال الغيث وإنبات الكلأ وإخراج الحب، فاقتضاء الرحمة لما تحصل به حياة القلوب والأرواح أعظم من اقتضائها لما تحصل به حياة الأبدان والأشباح، لكن المحجوبون إنما أدركوا من هذا الاسم حظ البهائم والدواب وأدرك أولو الألباب منه أمراً وراء ذلك) ابن القيم.



๑۞๑ الحياهـ مع الله ๑۞๑‏


الصلاة أعظم رحمة من الله لعباده المؤمنين، صلة بين العبد وربه، سلوة له وأنس بخالقه، فمن ذا الذي يأذن لرعيته أن يلجوا عليه في اليوم مرات عديدة، قال أبو بكر المزني: من مثلك يا ابن آدم ! خلي بينك وبين المحراب، كلما شئت دخلت على الله عز وجل، وليس بينك وبينه ترجمان. ثم إنه أذن لعبده أن يرفع له حوائجه في أي وقت شاء، بأي أمنية شاء، بأي لغة شاء، فأي رحمة أعظم من هذه الرحمة !!.




๑۞๑ الحياهـ مع الله ๑۞๑‏



رحمة الله تقتضي إيصال المنافع والمصالح إلى العبد وإن كرهتها نفسه، وشقت عليها، فأرحم الناس بك من شق عليك في إيصال مصالحك ودفع المضار عنك، ألا ترى الأم تحرم صغيرها بعض ما تشتهيه نفسه لعلمها أن هلاكه فيه، وفي الحديث الذي أخرجه الحاكم، وصححه الألباني: "إن الله عز وجل ليحمي عبده المؤمن الدنيا وهو يحبه، كما تحمون مريضكم الطعام والشراب" صحيح الترغيب(3179).



๑۞๑ الحياهـ مع الله ๑۞๑‏



تأمل ما قاله مؤمن آل ياسين لقومه المشركين: ( إن يردن الرحمن بضر لا تغن عني شفاعتهم شيئا ولا ينقذون)، فاختار هذا الرجل الصالح اسم (الرحمن) من بين أسماء الله تعالى إشارة إلى أن الضر إذا أتى فإنما هو من (الرحمن) ، ويصير الأمر الذي ظاهره الضر في حقيقته رحمة، وخيرًا للمؤمن لأن الرحمن لا يصدر عنه إلا الرحمة واللطف والبر: (فعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا).



๑۞๑ الحياهـ مع الله ๑۞๑‏


التعبد باسم الله الرحمن يورث إحسان الظن به تعالى ، فترى المؤمن تنزل به البلية فيرتقب ما بعدها من اليسر والنعمة التي سيحمدها، لإيمانه بأنها من الرحمن، تأمل فيما سمى به رسول الله صلى الله عليه وسلم الطاعون (رحمة) لينبثق الأمل لكل مبتلى، وفي البخاري:
"عن عائشة أنها سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الطاعون؟ فأخبرها نبي الله صلى الله عليه وسلم: "إنه كان عذابا يبعثه الله على من يشاء، فجعله الله رحمة للمؤمنين، فليس من عبد يقع الطاعون، فيمكث في بلده صابرا يعلم أنه لن يصيبه إلا ما كتب الله له، إلا كان له مثل أجر الشهيد ".

๑۞๑ الحياهـ مع الله ๑۞๑‏

د:نوال العيد
 

0 التعليقات:

إرسال تعليق